إنساني
-١-
إنساني، إنس ليالينا القمراء و أغانينا الزَّهراء...
إنساني، إنس رياض الزَّهر و شذيَّ العِطر...
إنساني، إنس ورودي البيضاء و جدائلي السَّوداء... 
بالأمس قد التقينا، فإذا بك تزيِّن مفرق شعري بإكليل من ورد الرُّبى وأريج الأنوار...
و اليوم قد افترقنا، فمزَّقنا باكيين الصُّور والذِّكريات والأسرار، وكذا تضيع في غمرة الشُّجون والأتراح الآمال والأعمار...
بالأمس قد التقينا، فأسندنا رأسينا إلى شجرة الحور وأشعَّة الشَّمس تلوِّح لنا من بين الأفنان...
و اليوم قد افترقنا، فضاع قمر اللَّيالي و ذكريات الأيَّام الخوالي في لجَّة من الآهات والأحزان...
بالأمس قد التقينا، فأنشدتني كلاما حلوا وقد رقصت من حولنا الأحلام على نغمات الأوتار...
و اليوم قد افترقنا، فذوى في زهريَّتي ما أهدتنيه من شذيِّ الأزهار، وامتزجت عبراتي بسواد حبر ما أتحفتني به من أعذب الأشعار...
بالأمس قد التقينا، فإذا بك تحملني على زنديك لتطير بي إلى عالم من الورد والألحان...
و اليوم قد افترقنا، فلم يبق لي من أيَّام الهناء و سعادة اللِّقاء سوى ملتهب العبرات وعميق الأشجان... 
إنساني...
فهي ذا سكينة اللَّيل قد فرَّقتنا...
مثلما لملمتنا...
-٢-
إنساني، إنساني يا من أحار كيف أناديه...
فكلٌّ منَّا قد طوى شراع عذاب الذِّكريات...
و ضاع في ذلك المدى البعيد من مكسور الأمنيات...  
إنساني، إنساني يا من تؤلمني ذكراه...
فما نحن سوى طيفين من أطياف الحزن و الدُّجى...
قد طواهما الضَّباب حين كانا يسيران سويَّة على جسر الصَّدى...  
إنساني، إنساني أرجوك...
ما عاد ثمَّة شيء بعد كي أقدِّمه إليك...
و ما عدت بعد الآن أنتمي إليك...  
إنساني، إنساني يا حبيبي...
فما نحن سوى نغمتين شجيَّتين بين شفتي الحياة...
قد اضمحلَّتا قبل أن تنشدهما على مسامع الكون هذي الحياة...
-٣-
نعم يا حبيبتي...
ما نحن سوى نغمتين شجيَّتين بين شفتي الحياة...
قد اضمحلَّتا قبل أن تنشدهما على مسامع الكون هذي الحياة... 
و لكن ؟
ما الحياة ؟
أ ليست مثلنا ؟
مأساة أليمة قد مثَّلتها الحياة على مسرح الدَّهر ؟
أ ليست مثلنا ؟
تنهيدة عميقة ترسلها من صدرها الأيَّام ؟
أ ليست مثلنا ؟
جوهرة مكنونة تحفظها الأبديَّة ؟
أ ليست مثلنا ؟
حلما نيليًّا عذبا ما يلبث أن يضمحلَّ بمقدم الصَّباح ؟
أ ليست مثلنا ؟
سرًّا علويًّا لا تفقهه سوى القلوب المتحابَّة ؟ 
نامي الآن بهدوء و سلام يا حبيبتي...
لأنَّني سأظلُّ دائما أذكر وصيَّتك الأخيرة...
تلك التي ردَّدتها على مسامعي قبل أن تطويك دروب هذي الحياة الصَّغيرة:
-٤-
فدتك روحي أيُّها الحبيب...
صلِّ من أجلي...
فصلاتك هي بلسم روحي في هذا العالم الكئيب...
هذا العالم الذي سادته الرَّذيلة...
و شوَّهته الكراهيَّة و البغضاء...
هذا العالم الذي لم و لن يدرك معنى المحبَّة و الفضيلة...
|