| الجميلة .. تزوّجت الأسوَد الفقير
كانت الطفلة الصغيرة الجميلة ، تلهو وتلعب في دارهم بالمدينة ، تحوطها أمها بحبها وحنانها، وكذلك أبوها ، نشأت في بيت طاهر ، تتنسَّم عبير الايمان ، فقد كان أبَوَاهَا صالِحَين ، فهما صحابيان جليلان ، فَأضفت عليها نشأتها الطاهرة ، جمالاً على جمالها ، كانت أمها تراقبها وهي تلهو وتلعب ، تتمنى أن تكبر وتكبر ، حتى تراها عروساً ، في بيت زوج صالحٍ من شباب المسلمين .
مرت الايام و الأعوام ، وكبرت الطفلة الصغيرة ، وأصبحت فتاة يافعة جميلة ، تقدَّم بعض شباب المدينة لخطبتها ، كان كلٌّ منهم يسعى للفوز بها ، كي يظفر بزوجة جمعت بين الدين والجمال ، ولكن أمها كانت تريد أن تزوجها ، لأكثر شباب المدينة مالاً و جاهاً ، وأحسنهم هيئة وجمالاً ، ولا بد أن يكون ايضاً مؤمناً صالحاً ، يخشى الله ورسوله .
وذات يوم رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ، أبا تلك الفتاة الجميلة ، فخطبها منه كاد الرجل يطير فرحاً ، فقد ظن رسول الله يريدها لنفسه ، فهذا شرف يتمناه كل أهل المدينة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال له : ( إني لا أُريدها لنفسي ) .
تراجع الفرح في نفس الرجل ، وسأل رسول الله قائلاً فلمن يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لِجُلَيبيب ، فوجيء الرجل بذلك ، ولكنه أخفى مشاعره في نفسه ، فقد كان جليبيب شاباً فقيراً أسودَ اللون ، لا يملك مالاً ولا جاهاً ولا جمالاً ، بل كان من موالي المدينة ، سأل أبوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يُمهِلَهُ حتى يشاور أمها ، فيعرض الامر عليها ، ويعرف رأيها ، في زواج ابنتها من جليبيب .
عاد الرجل حزيناً الى داره ، لا يدري ماذا يفعل ، فهل يريد أن يمتثل لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يَرُدُّ له طلباً ، ولكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يزوج ابنته الجميلة ، لذلك الشاب الفقير ، الذي لا يملك مالاً ولا جاهاً ولا جمالاً ، فماذا يفعل ؟ .
وصل الرجل الى داره ، دخل صامتاً حزيناً ، أدركت زوجته أن هناك شيئاً في نفسه ، فقد بَدَا ذلك واضحاً على وجهه ، فأقتربت منه ، وسألته في رفق : مالك؟ ماذا بك ؟ فسكت الرجل ، ولم يُجب على سؤالها ، فقد كان حريصاً ألا يتحدث في هذا الامر على مسمع من ابنته ، فأنتظر حتى نهضت للقيام ببعض أمور دارهم .
لم ينتظر حتى تسأله زوجته ، بل قال لها : خطب النبي صلى الله عليه وسلّم ابنتنا ، ظنّت هي الاخرى أن النبي أرادها لنفسه ، ففرحت فرحاً شديداً، وراحت تعبِّر عن فرحها بكلمات معناها : أن ذلك أمر عظيم ، وشرف كبير لهم ولابنتهم ، فقاطعها زوجها قائلاً : إنُّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يريدها لنفسه ، فتراجع الفرح في نفسها مثلما حدث له ، فسألته : لمن ؟ فقال لها : يريد أن يزوجها لجليبيب !!.
تغير وجهها ، فقد كان ذلك مفاجأة لها ، فهي التي كانت تنتظر لابنتها أكثر شباب المدينة مالاً و جمالاً و جاهاً ، كيف تزوٍّجها لجليبيب ، وهو أسود فقير من موالي المدينة ، ثمُّ عبُّرت عن رأيها بصراحة فقالت : لا والله لن نزوجها له فقرر الرجل أن يعود لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبره برأي زوجته .
كانت الفتاة المؤمنة الجميلة ، قد سمعت بعض ما دار بين أمها وأبيها ، سألت أمها من الذي خطبني ؟ قالت : خطبك رسول الله صلى الله عليه وسلم لجليبيب ، ذلك الشاب الفقير الذي لا يملك مالاً ولا جاهاً ولا جمالاً .
قالت الفتاة المؤمنة : كيف ترفضان طلباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كيف تردان له أمراً ؟ لا بد أن نمتثل لأمره ، فلا مانع عندي من الزواج ممن اختاره صلى الله عليه وسلم ، ادفعوني لرسول الله ، فإنه لن يُضَيِّعني ، ولا شك أن الخير كل الخير في اختياره .
سمع الرجل رأي ابنته ، فانطلق الى رسول الله صلى الله عليه وسلم و قال له : يا رسول الله ، هذه ابنتنا ، زوِّجها لمن شئت ، فزوَّجها رسول الله لجليبيب رضي الله عنه ، فكانت سعيدة باختيار الله ورسوله ، وفي ذلك نزل قوله تعالى في سورة الاحزاب : ( وَمَا كان لِمُؤمِن ولا مُؤمِنَة إِذا قضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أمراً أَن يكون لهُمُ الخِيَرَةُ من أمرهم ، ومَن يَعصِ الله َ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالاً مُّبيناً ) .
كان جليبيب رضي الله عنه يحب زوجته المؤمنة الجميلة ، ولكن حبه لله ورسوله ، والجهاد في سبيله كان أكبر ، فلم يمض على زواجه سوى وقت قصير ، حتى أَذَّن مؤذِّن الجهاد ، فترك زوجته , واحتضن سيفه ، وخرج مجاهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى غزواته .
التقى المسلمون مع أعدائهم في ساحة القتال فقاتلوا قتال الابطال ، حتى أيَّدهم الله بنصره ، فلما فرغوا من قتال أعدائهم ، قال رسول الله لأصحابه : هل تفقدون من أحد ؟ قالوا : نفقد فلانا ونفتقد فلاناً ونفقد فلاناً ، فسألهم النبي مرة ثانية : هل تفقدون من أحد ؟ قالوا نفقد فلاناً ونفقد فلاناً , فسألهم مرة ثالثة : هل تفقدون من أحد ؟ قالوا : لا ، فقال صلى الله عليه وسلّم : ( لكني أفقد جليبيباً فأطلبوه في القتلى ) .
انطلق بعض المجاهدين تنفيذاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، بحثوا عنه حتى وجدوه قد نال الشهادة ، كان بين سبعة من قتلى المشركين ، قتلهم جميعاً ثم نال الشهادة ، فعاد الصحابة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا له : يا رسول الله .. هاهو يرقد جنب سبعة ، قتلهم ثم قتلوه .
ذهب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : قتل سبعة وقتلوه ، هذا مني وأنا منه .. هذا مني وأنا منه ، كررها النبي ثلاث مرات , ثم حمله على سَاعِدَيه ، حتى حفروا له ثم وضعه في قبره .
دعا النبي لزوجته قائلاً : اللهم صُبَّ عليها الخير صبّاً ، ولا تجعل عيشها كَداً كَداً ، فاستجاب الله لدعوة رسوله ، وفاض عليها الخير حتى أصبحت أكثر الأنصار مالاً ، حتى أنها كانت تحمل ما تتصدق به على مائة بعير .
أخوكم
|