التربويون البريطانيون يدقّون ناقوس الخطر:طلابنا يتركون العلم ويركضون خلف الأثرياء وال
بدأت المؤسسات التعليمية البريطانية بدقّ ناقوس الخطر بعد أن تزايدت أعداد الطلاب الذين يديرون ظهورهم للدراسة والتحصيل العلمي، ويحلمون بالشهرة والثروة، إقتداءً بنجوم الكرة ومطربي «البوب» ووارثي الملايين!
ويبدو أن هذه الظاهرة لا تقتصر على بريطانيا وحدها، فكثيراً ما نصادف فتيات صغيرات يرغبن في المشاركة في برامج تلفزيون الواقع العربي، فيما يشخص الأولاد بأبصارهم إلى زين الدين زيدان وأبو تريكة ونشأت أكرم وياسر القحطاني ومالك معاذ وسواهم من مشاهير الكرة العربية، بحثاً عن وسائل تختصر لهم الطريق للشهرة والنجاح. .
أظهرت دراسة أجراها باحثون في اتحاد المعلمين البريطانيين أن كثيراً من الطلاب باتوا لا يؤمنون بأهمية التعليم ودور الشهادات الجامعية في تحقيق طموحاتهم، وإن البرامج التلفزيونية مثـــــــــــل (الأخ الكبير)Big Brother و(اكس فاكتور) Factor يمكن أن تكون البديل عن المدارس! وأشارت هذه الدراسة إلى أن نجم الكرة ديفيد بكم هو القدوة الأولى للجيل الجديد من الأولاد، يليه اللاعب رونالدينو... أما البنات فإن ملهمتهن الأولى هي فيكتوريا بكم مطربة فريق «سبايز جيرلز» Spice Girls، وتأتي بعدها وارثة الملايين باريس هيلتون لتحتل المرتبة الثانية.
وفي سؤال عن الطريق الذي يسلكونه لتحقيق هذه الأحلام، أكد الطلاب أنهم يبحثون عن فرصتهم من خلال برامج الواقع أو من خلال الانضمام إلى نوادي كرة القدم الشهيرة بدون أن يشيروا إلى التحصيل العلمي من قريب أو بعيد.
وفي المؤتمر السنوي للمعلمين والمحاضرين البريطانيين الذي انعقد مؤخراً، اشتكى بعض التربويين من هذه الظاهرة التي تحد من الطموح العلمي لطلابهم، وتقلّل من تركيزهم على الدروس وتعرّضهم للشعور بالفشل والإحباط في المستقبل حين يدركون متأخرين أن أحلامهم لا يمكن أن تتحقق، لأنهم ببساطة لا يملكون الموهبة الكافية، وليست لديهم الخطة المتكاملة للنجاح.أسير الفرصة الذهبية
يعلّق الاختصاصي في علم الاجتماع والمحاضر في جامعة «ويست منستر» البريطانية الدكتور سعد عبد السلام عن هذه الظاهرة في بريطانيا وفي بلداننا العربية، بالإشارة إلى أن المشكلة تبدأ حين تأخذ أحلام اليقظة مساراً سلبياً يمنع الانسان من العمل والتحصيل، ويجعله أسير الحظ و«الفرصة الذهبية» التي ربما لا تأتي أبداً! وبذلك، يضيع مستقبله ويبتعد عن الدراسة والتفوق والتحصيل العلمي. > وسألناه: هل ترى أن أحلام الجيل الجديد مشروعة؟
ـ تبدأ احلام اليقظة عند الانسان منذ بواكير الطفولة، وتنمو هذه الأحلام وتتبدل سيناريوهاتها مع تقدّم الطفل بالعمر، وتتأثر أيضاً بالبيئة والمجتمع الذي يعيشه. فأحلام الطفل في المجتمعات الريفية، مثلاً، تختلف عن أحلام ابن المدينة، وصغار الدول الفقيرة أو المنسية يختلفون في أحلامهم عن أبناء المدن الكبيرة. وفي كل الأحوال، فإننا نادراً ما نجد صغيراً لا يحلم ويسرح بالخيال، بعيداً عن دائرة حياته ومحيطه. والاحلام بحد ذاتها حالة صحية لا تستدعي القلق أبداً حتى لو تجاوزت المعقول، وتخطّت حدود الممكن، بل ان الأطفال المغالين بأحلام اليقظة والخيال هم اطفال أذكياء في الغالب، وكل العلماء والأدباء والفنانين بدأوا حالمين وانتهوا مشاهير، بعد أن حققوا جزءاً من أحلامهم. ولكن المشكلة تبدأ حين تأخذ أحلام اليقظة مساراً سلبياً يمنع الانسان من العمل والتحصيل، ويجعله أسير الحظ و«الفرصة الذهبية» التي ربما لا تأتي أبداً! وبذلك، يضيع مستقبله ويبتعد عن الدراسة والتفوق والتحصيل العلمي، وهي الطرق المضمونة للنجاح، وربما ينتهي به الأمر محبطاً وفاشلاً وتعيساً. > ولماذا يحلم الجيل الجديد بالشهرة والثراء على وجه التحديد؟ـ لأنها الأحلام التي تعكس واقع المجتمع الذي يعيشونه، وخذي أية مجلة وقلّبي أوراقها وستجدين كثيراً من الصفحات الملونة والبراقة التي تتابع أخبارالأثرياء والمشاهير وتصوّر سعادتهم وحريتهم في العيش بالطريقة الباذخة والمرفهة التي يريدونها. ولهذه الصور بالتأكيد سحر خاص على الصغار الذين يريدون أن يكونوا متميزين ومثار اهتمام وإعجاب الناس مثل هؤلاء، وهذا بحد ذاته ليس بالأمر السيىء، فكلنا حلمنا بأن نكون أبطال سينما ونجوم غناء، ولكن أحلامنا كانت محض أوهام! لذا، كنا ندير لها ظهورنا ما إن تبدأ الإمتحانات التي يكرّم فيها المرء أو يهان كما كان يقول لنا أهلنا، أما بعض أبناء جيل اليوم فإن أمامهم طرقاً أخرى لتحقيق أحلامهم... وكلها تزين لهم الأمر وتعدهم بالنجاح وبالثروة التي ستهطل عليهم ما أن يشاركوا في تلفزيون الواقع، ويتصرفوا على سجيتهم ويحصلوا على الشهرة بدون أن يبذلوا أي جهد أو بمجرد أن يحسنوا المراوغة بالكرة فيكونون نجوماً بأسماء رنّانة أو يمتلكون بعض المواصفات الجمالية التي تجعل منهم «موديلات» تصوير ونجوم أغلفة يتقاضون الملايين! والمثير في الامر ان الصغار باتوا يحلمون بتحقيق أحلامهم حتى من دون وسيط، وذلك من خلال المشاركة بمواقع «فايس بوك» Facebook و«ماي سبيس» My Space و«يو تيوب» You Tube وسواها. وفي حقيقة الامر فإن واحداً من بين عشرات الألوف من هؤلاء الصغار يمكن أن يحقّق أحلامه بسبب شدة المنافسة وكثرة العرض وقلّة الطلب. ومن هنا، تبدأ المشكلة لأنهم يكونون قد ضيّعوا تحصيلهم العلمي وشتتوا أذهانهم وركضوا وراء سراب.مسؤولية الأهل > وكيف يعرف الأهل إذا ما كان ابنهم موهوباً حقاً وجديراً بالشهرة والثراء؟ـ بالتأكيد، إن المشاهير كانوا أيضاً أطفالاً حالمين، وحققوا ما يريدون عندما كبروا، وعلى الأهل أن يهتموا بأولادهم الموهوبين ويغذوا فيهم الأمل والطموح، إذا ما وجدوا عندهم البذرة الحقيقية للنجاح، وهذا يتم بوضع الاستراتيجيات المناسبة والخطط المدروسة التي تأخذ بيد الصغير وتصقل موهبته وتعدّه للدور الآتي. ولكن بالمقابل، ثمة مسؤولية على الأهل في إطلاع أولادهم على صورة ما يجري وراء كواليس الشهرة والثراء، وما تخفيه الصورة البرّاقة من عمل شاق ومضنٍ وتضحيات وخيبات وصراعات يعيشها الإنسان قبل الوصول الى النجاح، وعليهم أيضاً أن يحدثوهم عن بعض مساوئ الشهرة التي قد تجلب لصاحبها أحياناً الشقاء والتعاسة وافتقاد الحب الحقيقي حين تختلط عليه الأمور، فلا يعود يميز بين من يحبه من أجل شهرته وثروته أو من أجل ذاته. والنماذج في هذا الشأن كثيرة، وبعض المشاهير على استعداد لمبادلة الشهرة والثراء بالسعادة الأسرية والحب الحقيقي. على الأهل أن يفهموا صغارهم أيضاً أن الثروة والشهرة ليستا دائماً عنواناً للسعادة، وان الإعلام لا يعكس إلا جانباً واحداً من الحقيقة. > ما دور الاهل والمجتمع في توجيه الصغار الى الطريق الصحيح؟
ـ الشهرة ليست أمراً سيئاً كما قلنا، لكن السيىء هو الإعلام الذي يوحي للصغار بأنها متاحة للجميع، وهذا ليس حقيقة. على الأهل أن يقدموا للصغار بعض القدوات الإيجابية البديلة التي يختارونها من الماضي والحاضر، سواء من الرسل والأنبياء الذين غيّروا وجه العالم ونقلوه برسالاتهم من الظلمة الى النور أو المصلحين الإجتماعيين الذين تركوا بصمات واضحة في المجتمع أو العلماء الذين حاربوا الأمراض واكتشفوا العلاجات ولقاحات الوقاية التي أنقذت البشرية من الأوبئة التي كانت تفتك بهم. وعلى أولياء الأمور أن لا يوكلوا المهمة لوسائل الإعلام والانترنت كي تصيغ شخصية أبنائهم، وترسم لهم الطريق لأنها مسؤوليتهم في ربط أبنائهم بمجتمعهم وتقاليده، وأن يرسموا لهم أسلوب الحياة الصحيح، بعيداً عن بهرجة التلفزيون وصخب البرامج التي تشتت أذهانهم. إن التحصيل العلمي هو المفتاح الحقيقي لمستقبل مستقر وآمن حتى لو كان لا يوصل للثروة الطائلة، وإن كان يوصل في كثير من الأحيان، ولكن بالعرق والتعب والمثابرة، بعيداً عن ضربات الحظ. وعلى وسائل الإعلام دور في توظيف النماذج الإنسانية في أعمال سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، وجعلها برّاقة ولامعة في عيون الصغار كي تكون قدوة لهم. وعلى الإعلام أيضاً أن يركز على الجانب الآخر من حياة المشاهير، وعلى العمل الشاق الذي يقوم به ديفيد بكم، مثلاً، للحفاظ على لياقته البدنية والحمية القاسية التي يلتزم بها والممنوعات الكثيرة في حياته، وأن يؤكدوا أن الشهرة ليست هي الطريق الوحيد للتمتّع بالحياة، وأن هنالك كثيراً من المجالات الإنسانية التي تغني ذواتنا وتشعرنا بالسعــــادة والرضا.
أتمنى أن ينال أعجابكم
|